حسن الأمين

53

مستدركات أعيان الشيعة

وأدرك « محمد علي خان » أن « آقا محمد خان قاجار » لن ينصرف عن تعقب « لطف علي خان زند » حتى يعتقله أو يقتله . وكان يخشى أيضا على أخيه « جهانجير خان » من انتقام « آقا محمد خان » لمحالفته « لطف علي خان زند » عليه . فرأى أنه لو اعتقل الخان الزندي وسلمه إلى « آقا محمد خان » لحصل ، في مقابل ذلك ، على العفو عن أخيه من « آقا محمد خان » . إلا أن المؤرخين الغربيين مجمعون على أن تفكير « محمد علي خان » في الغدر بضيفه وتسليمه إلى عدوه لم يكن الدافع إليه رجاء الحصول على العفو عن أخيه فقط ، بل كان له دافع آخر أيضا هو الحصول على الجائزة من « آقا محمد خان » . فقد كان هذا أعلن سنة 1205 ه‍ . الموافقة سنة 1790 م ، بعد وقعة « سميرم » بين « لطف علي خان زند » و « خان بابا جهان باني » ، بأنه سيمنح : جائزة كبيرة لمن يأتيه ب « لطف علي خان زند » حيا أو ميتا . بل قال أولئك المؤرخون إن اهتمام « محمد علي خان » بالحصول على الجائزة كان أقوى في نفسه من اهتمامه بالحصول على العفو عن أخيه . ولهم على ذلك أدلة قوية ، منها أن « محمد علي خان » لما تمكن من اعتقال « لطف علي خان زند » أرسل رسالة إلى « آقا محمد خان » يبشره فيها بذلك . ولكنه لم يأت فيها على ذكر أخيه بشيء ، وإنما اقتصر على تذكيره بوعده بالجائزة ومطالبته بالوفاء بهذا الوعد ! اعتقال لطف علي خان زند عزم « محمد علي خان » على الغدر بضيفه باعتقاله وتسليمه إلى « آقا محمد خان » . فلما أراد « لطف علي خان زند » استئناف السفر ، وكان يقصد إلى « سيستان » ، استمهله بحجج مصطنعة . وظل يستمهله حتى أخره ثلاثة أيام ، إذ عزم « لطف علي خان زند » عزما قاطعا على استئناف السفر . وذهب إلى الإصطبل ، وكان الوقت ظهرا ، فأسرج حصانه « غران » ، وفيما هويهم بامتطائه رأى جماعة من الرجال مقبلين إلى الإصطبل شاهري السيوف فاستطاعوا بعد معركة بطولية القبض عليه جريحا وحمل إلى منزل « محمد علي خان » . وأرسل هذا رسالة « إلى كرمان » إلى « آقا محمد خان » يخبره باعتقال « لطف علي خان زند » . وفي صباح اليوم التالي حملوه إلى بلدة اسمها « دارزين » تقع على الطريق بين « بم » و « كرمان » ، وهو محموم . ورافقه « محمد علي خان » وأخ آخر له غير « جهانجير خان » ، وجماعة من الحرس . وأقاموا في تلك البلدة ينتظرون جواب « آقا محمد خان قاجار » وأوامره . وفيما هم ينتظرون وصل إلى « دارزين » « جهانجير خان » ، وهو يقصد إلى « بم » ، وكان قد تخلف عن « لطف علي خان زند » بعد فرارهما من « كرمان » . فلما علم أن أخويه قد غدرا بالخان الزندي واعتقلاه لم ينكر عليهما عملهما . ثم وصل رسول من « آقا محمد خان » يحمل جواب رسالة « محمد علي خان » ، وفيه يأمره بتسليم الأسير إلى رسول قادم من قبله اسمه محمد ولي خان قاجار ليحمله إلى « كرمان » . فلما وصل تسلم « لطف علي خان زند » من آسريه وقبيل وصولهم إلى معسكر « آقا محمد خان » ، وضعوا في عنقه رسنا ، وسلسلوه بزنجير يزن ما يعادل خمسة عشر كيلو غراما من أوزان اليوم ، أقفلوا أحد طرفيه على يديه والآخر على قدميه . آقا محمد خان يتجلبب بالعار ! فلما بدا « آقا محمد خان » لأنظارهم أمر « محمد ولي خان قاجار » أسيره « لطف علي خان زند » بالسجود له . فقال : أنا لا أسجد لغير الله ! فما كان من « محمد ولي خان قاجار » إلا أن ضربه على رأسه ، وصاح به : آمرك بالسجود ! فقال الأمير الزندي : قلت لك أنا لا اسجد لغير الله وحده ! فشد « محمد ولي خان قاجار » يديه على رأس الأسير الجريح العاجز حتى طاطاه وألقاه على الأرض وأخذ يمرغ وجهه في التراب ! وقد ذكرنا أن « آقا محمد خان » كان يتجنب إعلاء صوته لشباهته بصوت النساء بسبب خصائه ، فلا يسخر منه سامعوه . فإذا أراد استدعاء الخدم استدعاهم بالضرب على صنج أو طبل ليخفي ما في صوته من خنوثة . ولكنه في تلك الساعة ، وقد رأى عدوه بين يديه ، لم يستطع أن يملك نفسه فصاح بأعلى صوته : أي لطف علي ! أرى أنك لا تزال على غطرستك لم يزايلك الغرور ! وها أنا أفعل بك الآن ما لا تستطيع أن ترفع رأسك بعده أبدا ! ثم أمر الخصي القاجاري العالم المتدين الفقيه بإحضار جماعة من الإصطبل ! وإن المرء ليحتار كيف يقدم رجل مثل « آقا محمد قاجار » ، وهو الفاضل المتشدد في إجراء أحكام الإسلام الذي لم يترك صلاة قط ، على إصدار مثل هذا الأمر لا يستحي من عاره ! هذا الأمر الذي لم يجرؤ مؤرخ على التصريح بمضمونه ، ولا نجرؤ نحن أيضا على ذلك ! لقد خيل إلى ذلك الخصي أنه سيوقع ، باصداره ذلك الأمر ، رجلا مثل « لطف علي خان زند » في العار . والحال أن الذي وقع في العار إنما هو « آقا محمد خان قاجار » نفسه ! ولم يذكر المؤرخون تاريخ اليوم الذي أدخل فيه « لطف علي خان زند » على « آقا محمد خان » في « كرمان » . وقال بعضهم كان ذلك في سنة 1208 - . وقال آخرون سنة 1209 ه‍ . ولكن لا يستبعد أن يكون ذلك [ فد ] قد حدث في أواخر شتاء سنة 1793 م أو سنة 1794 م . أما « محمد علي خان » وأخوه « جهانجير خان » فلم يحضرا إلى « كرمان » بعد أن سلما أسيرهما إلى « محمد ولي خان قاجار » . بعد تلك الواقعة وضع « لطف علي خان زند » في الإصطبل ، وهو يغلي بالحمى ويداه وقدماه في الزنجير وعنقه في الرسن . وكان يشكو العطش . ولكن خدم الإصطبل امتنعوا عن إسقائه الماء خوفا من غضب « آقا محمد خان » . وفي اليوم التالي أمر « آقا محمد خان » بإحضاره إليه . فجاؤوا به يمسكونه من عضديه ، إذ كان عاجزا عن الوقوف والسير ، يجرجر قيوده والرسن في عنقه ، وألقوه أمام « آقا محمد خان » . فقال له هذا : لطف علي ، قل لي أما زالت بك غطرسة ، أم زايلتك غطرستك ؟ ! فما كان من « لطف علي خان زند » إلا أن تحامل ، مع ما به من ضعف وعجز ومرض ، ورفع رأسه وبصق في وجه « آقا محمد خان قاجار » ، وقال له : أيها الخصي الحقير ، أنا لا أخشاك ! وكان تعييره بالخصاء أعظم ما يؤذيه . حتى كان كل المتصلين به يتجنبون كل كلمة وكل إشارة تفيد معنى الخصاء من قريب أو بعيد ، وإلا